ابن قيم الجوزية
181
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والفرق بين هذا وبين المعاين ، ومن ورد القيامة : أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة . والتوبة إنما تكون في زمن التكليف . وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف . فالأوامر والنواهي لازمة له . والكف متصور منه عن التمني والوداد ، والأسف على فوته ، وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله . واللّه أعلم . التوبة والنية ومن أحكامها : أن من توغل في ذنب ، وعزم على التوبة منه ، ولا يمكنه التوبة منه إلا بارتكاب بعضه ، كمن أولج في فرج حرام . ثم عزم على التوبة قبل النزع الذي هو جزء الوطء . وكمن توسط أرضا مغصوبة ، ثم عزم على التوبة . ولا يمكنه إلا بالخروج ، الذي هو مشي فيها وتصرف . فكيف يتوب من الحرام بحرام مثله ؟ وهل تعقل التوبة من الحرام بحرام ؟ . فهذا مما أشكل على بعض الناس . حتى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلص به من الحرام . قال : لأنه لا يمكن أن يكون مأمورا به وهو حرام . وقد تعين في حقه طريقا للخلاص من الحرام ، لا يمكنه التخلص بدونه . فلا حكم في هذا الفعل البتة . وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التكليف . وقالت طائفة : بل هو حرام واجب . فهو ذو وجهين . مأمور به من أحدهما . منهي عنه من الآخر . فيؤمر به من حيث تعينه طريقا للخلاص من الحرام . وهو من هذا الوجه واجب . وينهى عنه من جهة كونه مباشرة للحرام . وهو من هذا الوجه محرم ، فيستحق عليه الثواب والعقاب . قالوا : ولا يمتنع كون الفعل في الشرع ذا وجهين مختلفين ، كالاشتغال عن الحرام بمباح . فإن المباح إذا نظرنا إلى ذاته - مع قطع النظر عن ترك الحرام - قضينا بإباحته . وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركا للحرام كان واجبا . نعم ، غايته : أنه لا يتعين مباح دون مباح . فيكون واجبا مخيرا . قالوا : وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة ، هي حرام . وهي واجبة . وستر العورة بثوب الحرير كذلك : حرام واجب ، من وجهين مختلفين . والصواب : أن هذا النزع والخروج من الأرض : توبة ليس بحرام . إذ هو مأمور به . ومحال أن يؤمر بالحرام . وإنما كان النزع - الذي هو جزء الوطء - حراما بقصد التلذذ به . وتكميل الوطء . وأما النزع الذي يقصد به مفارقة الحرام ، وقطع لذة المعصية . فلا دليل على تحريمه ، لا من نص ولا إجماع ، ولا قياس صحيح يستوي فيه الأصل والفرع في علة الحكم . ومحال خلو هذه الحادثة عن حكم اللّه فيها . وحكمه فيها : الأمر بالنزع قطعا . وإلا كانت الاستدامة مباحة . وذلك عين المحال . وكذلك الخروج من الأرض المغصوبة : مأمور به . وإنما تكون الحركة والتصرف في ملك الغير حراما إذا كان على وجه الانتفاع بها ، المتضمن لإضرار مالكها . أما إذا كان القصد ترك الانتفاع ، وإزالة الضرر عن المالك . فلم يحرم اللّه ولا رسوله ذلك . ولا دل على تحريمه نظر صحيح ، ولا قياس صحيح .